روحانيّة مار أنطونيوس الكبير

روحانيّة مار أنطونيوس الكبير

أبي الرُّهبان

الدعوة الإنجيليّة

"إِنْ شِئْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا، فَاذْهَبْ وبِعْ مَا تَـمْلِك، وأَعْطِ الفُقَرَاء، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ في السَّمَاء، وتَعَالَ ٱتْبَعْنِي!" (مت 19: 21). كلماتُ المسيح الّتي كانت سببَ حزنٍ لشابّ الإنجيل الغنيّ عندما سمعها من فم يسوع مباشرةً، كانَت لأنطونيوس، الشابِّ الغنيّ، سبب فرحٍ عندما سمعها من فم كاهن المسيح. فهذه الكلمات غلّت في قلبه وطبعت سيرة حياته بما تحمل من "لا منطق" الحياة الروحية.

منطق الثروة الروحيّة

فهم أنطونيوس من خلال هذه الآية أنّ منطق الثروة الروحيّة يناقض منطق الثروة الدنيويّة. فكمال الدنيا وثروتها يكمنان في ادّخار الثروات وعلوِّ المنزلة الِاجتماعيّة والتفرّد في السلطة وإعطاء الرأي وأخذ القرار، أمّا كمال الحياة الروحيّة وثروتُها فيكمنان في التخلّي عن الممتلكات والتصدّق للفقراء والتخلّي عن الإرادة والسلطة وفي التسليم المطلق لإرادة المسيح واتّباعه في حياة زهدٍ دائم.

التوجّه نحو الصحراء

في الوقت الّذي خفّ فيه الاضطهاد عن المسيحيّين، وراح الناس يتوجّهون نحو المدينة لادّخار الأموال واكتساب الثروات، أخذ أنطونيوس الطريق المعاكس تاركًا المدينة، متوجهًا نحو القفار البعيدة، حيث راح يختلي للصلاة والتأمّل والتقشّف. ذهب أنطونيوس في مسيرته بتدرّج منطقيّ في عمق هذا "اللامنطق". فقد راح يدخل رويدًا رويدًا من طرف الصحراء إلى أعماقها.

ينابيع ماء الحياة

اكتشف أنطونيوس أنّ "ينابيع ماء الحياة" تُعطى، وبغزارة، في ذلك المكان الّذي لا وجود فيه لماء هذه الحياة الأرضيّة. ففي عمق جفاف الصحراء ذاق أنطونيوس عذوبة طعم ماء السماء.

الموت عن العالم

قبل التوغّل في صحرائه، كان على أنطونيوس أن يبدأ المسيرة بموتٍ كامل عن العالم والذات. وقد جسّد أنطونيوس هذه الحقيقة بإقامته شهرًا في قبرٍ قديم قرب المدينة. إنّ حالة الموت هذه هي محطّة أساسيّة للعبور نحو ولادة جديدة، ولادة الإنسان الروحيّ. وبعد هذه الولادة، راح أنطونيوس يزيد غوصًا في أعماق ذاته تماشيًا مع غوصه في أعماق الصحراء. فكانت نتيجة الغوص ٱقتران الحبيب بالحبيب في خدر الصحراء.

مثل شعب الله المختار

شابهت سيرة حياة أنطونيوس بمجملها سيرة شعب الله المختار في خروجه من أرض عبوديّة مصر إلى أرض الميعاد. فراح ذاك الشاب يتوغّل في الصحراء مسيرة الأربعين قاصداً أرض ميعادٍ جديدة، أرضًا تدرُّ عسلاً ولبنًا. فهو لم يكتفِ بما قدّمت له مصر من عبوديّة، بل راح يبحثُ عن الحريّة الحقيقيّة الّتي كانت تتوق إليها نفسه.

التجارب والانتصار

كما كانت صحراءُ العبور للعبرانيّين حقل تجارب كثيرة، لم تبخل هذه الصحراء عينها على أنطونيوس في عبوره بتجارب لا تحصى ولا تعدّ. ولكنَّ أنطونيوس لم يرضخ لِـحِيَلِ المجرّب، بل، على مثال المسيح الصائم في الصحراء أربعين يوما، خرج ظافراً على كل أنواع التجارب، قاهرًا الشرير في عقر داره.

إرث أنطونيوس

خطّ أنطونيوس بما عاشه نهجًا جديدًا لإتّباع المسيح. فمع أنّه سار في الصحراء، على الرمال المتموّجة، إلّا أنّ سيرة حياته حُفرت على صخورٍ لا تُمحى ولا تتبدّل. أنطونيوس السائر درب الكمال، صار لكلّ عشّاق الكمال مثالًا يقتدى به. إنّه ذاك الراهب العائش على صورة الراهب الأوحد يسوع المسيح. لا بل إنّه الراهب الذي لبس المسيح، وصار أيقونة المسيح على أرضنا. إنه المثال لكل طالبٍ للترهُّب.